أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

260

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ولذلك نصبوا « الْأَرْضَ » وكدبه وكسرة « السَّماواتِ » في قراءة الأخوين خفض ، وفي قراءة غيرهما نصب ، ولو قيل : بأنه في قراءة الأخوين يجوز نصب « الْأَرْضَ » على أحد وجهين : إما على المحل ، وإما على حذف التنوين لالتقاء الساكنين ، فتكون « السَّماواتِ » منصوبة لفظا وموضعا ، لم يمتنع ، ولكن لم يقرأ به . و « بِالْحَقِّ » متعلق ب « خَلَقَ » * على الباء سببية وبمحذوف على أنها حالية إما من الفاعل ، أي : محقا ، وإما من المفعول ، أي : ما تبعه بالحق . قوله : تَبَعاً . يجوز أن يكون جمع تابع ك « خادم وخدم ، وغائب وغيب » ، ويجوز أن يكون منصوبا ، نحو : « قوم عدل » ففيه ثلاثة التأويلات المشهورة . قوله : مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ في « مِنْ » ، و « مِنْ » أوجه : أحدها : أن « مِنْ » الأولى للتبيين ، والثانية للتبعيض ، تقديره : مغنون عنا بعض الشيء ، الذي هو عذاب اللّه ، قاله الزمخشري . قال الشيخ « 1 » : هذا يقتضي التقديم في قوله : « مِنْ شَيْءٍ » على قوله : « مِنْ عَذابِ اللَّهِ » ، لأنه جعل « مِنْ شَيْءٍ » هو المبين بقوله : « مِنْ عَذابِ اللَّهِ » ، و « مِنْ » التبيينية مقدم عليها ما تبينه ، ولا يتأخر . قلت : كلام الزمخشري صحيح ، من حيث المعنى ، فإن « مِنْ عَذابِ اللَّهِ » لو تأخر عن « شَيْءٍ » كان صفة له ، ومبنيا ، فلما تقدم انقلب إعرابه من الصفة إلى الحال ، وأما معناه ، وهو البيان ، فباق لم يتغير . الثاني : أن يكونا للتبعيض معا ، بمعنى : هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب اللّه ، أي : بعض عذاب اللّه ، قاله الزمخشري . قال الشيخ « 2 » : وهذا يقتضي أن يكون بدلا ، فيكون بدل عام من خاص ، وهذا لا يقال ، فإنّ بعضية الشيء مطلقة ، فلا يكون لها بعض . قلت : لا نزاع أنه يقال : بعض البعض وهي عبارة متداولة ، وذلك البعض المتبعض هو كل لأبعاضه بعض لكلّه . وهذا كالجنس المتوسط ، هو نوع لما فوقه جنس لما تحته . الثالث : أن « مِنْ » في « مِنْ شَيْءٍ » مزيدة ، و « مِنْ » في « مِنْ عَذابِ » فيها وجهان : أحدهما : أن تتعلق بمحذوف ، لأنها في الأصل : صفة ل « شَيْءٍ » فلمّا تقدمت نصبت على الحال . والثاني : أنها تتعلق بنفس « مُغْنُونَ » على أن يكون « مِنْ شَيْءٍ » واقعا موقع المصدر ، أي : غناء ، ويوضح هذا ما قاله أبو البقاء قال : « مِنْ » زائدة ، أي : شيئا كائنا من عذاب اللّه ، ويكون محمولا على المعنى ، تقديره : هل تمنعون عنّا شيئا ، ويجوز أن يكون « شَيْءٍ » واقعا موقع المصدر ، أي : غناء ، فيكون « مِنْ عَذابِ اللَّهِ » متعلقا « مغنون » . وقال الحوفي - أيضا - و « مِنْ عَذابِ اللَّهِ » متعلق ب « مُغْنُونَ » ، و « مِنْ » في « مِنْ شَيْءٍ » لاستغراق الجنس زائدة للتوكيد » . قوله : « سَواءٌ عَلَيْنا . . . » إلى آخره فيه قولان : أحدهما : أنه من كلام المستكبرين .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 417 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق .